الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
408
المنقذ من التقليد
التصريح بالتصديق في أنّه يتعلّق باختياره ، فيصحّ ويحسن أن يكرم به الصالح ويصدّق به الصادق إذا كان فيه مصلحة دينيّة وتعلّق به غرض معتدّ به في الحكمة ، كما يصحّ ويحسن أن يصدّق به النبيّ في دعواه النبوّة ، ولا يحسن إظهاره على كلّ صادق ، كما لا يحسن أن يصدّق بالقول كلّ صادق . ثمّ يقال لهم : ما تقولون ؟ إذا فرضنا معرفتنا بخطابه تعالى ، قبل معرفتنا بصدق المدّعي للنبوّة ؟ وهذا فرض أمر ممكن ، كما تحقّق في أوّل من خاطبه اللّه تعالى ثمّ تصديقه تعالى له بالقول بأن يخاطبنا ويقول : « عبدي هذا صادق فيما يدّعيه عليّ » ، ألسنا نعلم بذلك صدقه في دعواه النبوّة ونعلم نبوّته ، فلا بدّ لهم من الإقرار بهذا . فنقول لهم : أفكان يقتضي ذلك أن يكون تصديقه ذلك له بالقول دالا على نبوّته بطريق الإبانة ، وأنّه لا يجوز أن يصدق بالقول غير النبيّ أنّ هذا العناد ظاهر ، قال اللّه تعالى مثنيا على مريم - عليها السلام - مع نفي النبوّة عنها بالإجماع : « وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ » « 1 » صدّقها اللّه تعالى في تصديقها ، إذ أثنى عليها بذلك التصديق فلو كانت كاذبة في تصديقها ، لما أثنى اللّه تعالى عليها بالتصديق . فانكشف أنّه تعالى يصدّق بالقول غير النبيّ . وإذا جاز أن يصدّق تعالى بالقول عن النبيّ وهو الأصل في التصديق أعني التصديق بالقول ، فلأن يجوز أن يصدّق غير النبيّ بالمعجز ، مع انّه جار مجرى التصديق ، أولى وأحرى . هذا على أنّه قد ظهر عليها كثير من المعجزات والأمور الخارقة للعادة كحملها « 2 » من غير ذكر ، ورؤيتها جبرئيل - عليه السلام - على ما جاء به الأثر وورد في التفسير ،
--> ( 1 ) التحريم : 12 . ( 2 ) م : كحبلها .